fbpx

*إله على لائحة الإرهاب - الجزء الأول

*إله على لائحة الإرهاب - الجزء الأول

يونيو 30, 2020

By  tC Egypt

في الفصول ١-١١ من كتاب يشوع نقرأ عن الإبادة الجماعية التي أمر الله بها القائد يشوع ليقوم بها لعدد من المدن والقرى والجماعات:

  • مدينة أريحا وعاي (يشوع 6: 21، 8: 24 و26)
  • مجموعة من المدن والقرى (يشوع 10: 24: 41)
  • بلدة حاصور( 11: 20)
  • مدن القسم الشمالي (يشوع 11: 1-12)
  • العناقيون ومدنهم (يشوع 11: 21)[1]

«مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ، وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ.» تثنية ٧ :١-٢

*وحرموا (يشوع وجيشه) كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقروالغنم والحمير بحد السيف. يشوع ٢١:٦

من دلالات الكلمة (حرم) هي إنه لا يجوز استعمال الشئ أو الشخص موضوع  التحريم (لاويين ٢٧: ٢٨- ٢٩) وإنه مقضيّ عليه بالهلاك (تثنيه ١٣ :١٦) وقد استعمل التحريم في درجات متفاوته، انظر مثلا:

تثنيه ٢ : ٣٤ ، ٣: ٤، ١٣: ١٦، ٢٠ : ١٠ - ١٨

صموئيل الأول  ١٥: ٣

يشوع ٢ : ١٠

عدد ٢١ :٢١

المعضلة:

إن الآيات الواردة أعلاه هي جزء من بعض المقاطع الواردة في كتب التثنيه ويشوع واللاويين من العهد القديم، والتي تتحدث عن الحرب والقتل والإبادة. إن قراءة هذه الآيات وما شابهها، من قبل أي إنسان عادي، لابد وأن تثير في نفسه الاشمئزاز من هذه المشاهد  الدموية الرهيبة! إنها حقآ روايات مرعبة يحاول المرء أن يتخيلها، فلا يصدق حتي مخيلته، يقراها وكأنه لا يحسن الرؤية، ويسمعها وكأن الأذن تخدعه.

ولولات.... صيحات... بكاء..... صمت. صمت لا يختلف كثيرًا عن صمت المقابر، ولولات تماثل ولولات الجنائز والمآتم، بكاء تنهمر فيه الدموع من العيون، وقطرات الدم من القلوب. وهل ماهو مرعب من أن يحصد الذين يمتلكون القوة أرواح الآخرين بما فيهم من الأطفال وعجز ونسوة؟  وهل هناك اسوأ من غرز خنجر الحقد في قلوب الأبرياء فتكون النتيجة الألم والدماء والموت...!

مثل هذه الصور المؤلمة سمعنا عنها ورأيناها قي كفر قاسم ودير ياسين وأرمينيا وكمبوديا وصبرا وشاتيلا والعراق وفلسطين والولايات المتحدة والسودان ورواندا و.... و..... و....

مثل هذه الصور تقض مضاجعنا فنطالب احترام حياة الناس وضمان أمنهم وسلامتهم. مثل هذه الصور توجب على كل انسان أن يدينها بشدة. ولكن كيف يمكن أن يدين الانسان بشدة إذا كان الله الذي يعبده هذا الانسان هو الذي يأمر بتنفيذها؟ وهل يعقل أن الله المحب يصدر مثل هذه الاوامر للفتك والقتل والإبادة الجماعية؟ القول بأن الإنسان المتجرد من إنسانيته قد يرتكب مثل هذه الأعمال الوحشية أمر، والقول إن قيام الإنسان بمثل هذه الأعمال الوحشية ليحقق مشيئة الله وينفذ أوامره أمر آخر. فما هو الحل لهذه المعضلة الأخلاقية؟ وبالرغم من أن تركيزي سيكون على معالجة هذه المعادلة من الناحية الأخلاقية، إلا إنه لابد من الإشارة إلى أن هذه المعادلة تتعدي كونها أخلاقية لتكون سياسية أيضًا. إذ قد يتم استغلال ما قام به يشوع قديمًا لتبرير ما يحدث في عالمنا الحاضر، وفقا "للمنطق": لقد احتل يشوع أرض كنعان بحد السيف، وحرم المدن مرتكبًا المجازر تلو المجازر ليحقق وعد الله بامتلاك أرض كنعان. وكان كل ذلك بأمر من الله. ولذلك فإن ما فعلته إسرائيل في أرض كنعان، وما تفعله إسرائيل في أرض فلسطين ليس إلا الاستمرار لتقليد سابق وضعه الله لتأمين الحماية والأمان والأرض لإسرائيل قديمًا ولإسرائيل حديثًا،[2] ومن المؤسف له حقا أنه حتى بعض المسيحيين الغربيين قد يلجأون  إلى مثل هذا "المنطق"! والحقيقة إن الاستخدام السياسي لهذه المعضلة هو ما دفع على الدكتورBernhardt Reitsma، أستاذ  محاضر في كلية اللاهوت للشرق الأدنى، بيروت، لتناول هذا الموضوع بالبحث.[3]

الحلول المطروحة:

شكلت هذه المعضلة عائقًا ليس في فهم العهد القديم فحسب، بل في فهم هوية إله العهد القديم، وهي بالتالي تترك تأثيرًا هامًا في علاقة العهد القديم بالعهد الجديد. لقد كُتِبت العديد من الأبحاث في مواجهة هذه المعضلة،[4] اذكر باختصار أهم الحلول التي طُرحت ومازالت تُطرَح في أيامنا جوابًا على هذه المعضلة، ومن ثم أقوم بتقويمها وتقديم بدائل أخرى. ولكن لابد من الاعتراف مسبقًا أن هذه المعضلة معقدة وليس بالإمكان الوصول إلى إجابة كافية ووافية بشأن حلها. ولكن لابد من المحاولة، فهيَّا بنا!

الحل الأول

يبدو أن أسهل طريقة لمواجهة هذه المعادلة هو الاعتقاد بأن هناك عدم استمرارية بارزة ونهائية بين العهد القديم والعهد الجديد وبموجب هذه النظرية فإن إله العهد القديم هو إله القتل والدمار أما اله العهد الجديد فهو إله الرحمة والمحبة. وبالتالي على المسيحي النظر إلى يسوع المسيح إله العهد الجديد، وليس إلى إله العهد القديم، ليستمد منه فقط قيمه  الأخلاقية.

اعتقد أن هذه النظرية هي محاولة للهروب من المعضلة أكثر منها محاولة لمواجهتها. إن إنكار وجود أي استمرارية بين العهد القديم والعهد الجديد بما يتعلق بالله وطبيعته وصفاته لهو أمر لا يقر به العهد الجديد، لا تقدم هذه النظرية أي تفسير لماذا سمح "إله العهد القديم" بالإبادة الجماعية ما عدا التفسير بأن إله العهد القديم هو إله سادي يهوى قتل الأبرياء وإراقة الدماء، ولكن حتى في العهد القديم ذاته لا نجد هذه الصورة عن الله، فهو أيضًا الإله المحب والرحيم والعطوف، لسبب بتعاملاته مع إسرائيل فحسب، بل من ناحية موقفه من البشريه جمعاء، وهذه النظريه عاجزة عن أن توفق بين ما تدعيه عن إله العهد القديم السادي والقاتل وبين ما يوصف به إله العهد القديم من محبة ورحمة ورأفة وحنان.

الحل الثاني

يركز هذا الحل على النظرية بأن الشعوب التي كانت مقيمة في أرض كنعان تمتاز بالشر والفساد الأدبي والأخلاقي إلى أقصى درجات الانحطاط، مما أوجب غضب الله ودينونته عليها، ولذلك استخدم الله شعب إسرائيل لينزل عقابه ودينونته بتلك الشعوب. فقد مارست تلك الشعوب عبادة الأوثان وانحط مستواها الأخلاقي فوصل إلى الحضيض (تكوين  ١٥: ١٦، تثنية  ٩: ٤ -٥) فأراد الله أن يحقق عدله وينزل قضاءه. وعندما يعاقب الله فهو يختار وسيلة العقاب. لقد اختار سابقًا الماء (الطوفان) ثم الكبريت والنار (سدوم وعمورة) وهنا يختار أن يحقق مقصده بواسطة البشر. من ناحية أخرى، كان التحريم وسيلة للدفاع عن النفس في بعض الأحيان (يشوع 9: ١-٢، ١١: ١- ٥) وليس للهجوم دائمًا. ومَن يعترض على حق الدفاع عن النفس؟

وتؤكد هذه النظرية على عدالة الله. فالله هو قاضٍ عادل لا يتغاضى عن فعل الشر والخطية، وارتكاب الإثم والمعصية. ونتيجة لازدياد شرور الناس أمر الله بالطوفان، طوفان  نوح. ونتيجة لتفاقم الفساد في مدينتي سدوم وعمورة ـمر الله بدمار المدينتين.

هل نتهم الله بالظلم؟ وبالقيام بعمل غير لائق لأنه أمر بالطوفان أيام نوح وأنزل الدمار على مدينتي سدوم وعمورة؟ فالحق لابد أن يظهر، والعدل لابد أن ياخذ مجراه ولا يمكن للمجتمع أن يستمر بدون وجود مبدأ تحمُّل المسؤولية ومجازاة  المذنب. إذن يتطلب عدل الله إنزال القصاص العادل عندما تُعصى شرائعه ووصاياه، وبالتالي كان التحريم بمثابة تحقيق لقضاء الله ودينونته.

تعتبر هذه النظرية الأكثر انتشارًا في الأوساط الكنسية من النظرية السابقة، وهي تبدو معقولة إلى حد كبير. اعتقد أن هذه النظرية تحتوي على بعض الحقيقة، ألا وهي أن الله العادل والقدوس لابد أن يعاقِب الشر والخطيئة والفساد، وقد يستخدم الله طرقًا عديدة لتحقيق ذلك كاستخدام اسرائيل في حالة الاباده الجماعية. ولكنني اتساءل: إذا كان الله يا شيء أن ينزل العقاب بالخاطئ الأثيم، فهل من المعقول أن يأمر الله بقتل الأجنة وهي في بطون أمهاتها؟ أو بقتل الأطفال والأولاد الصغار؟

يجيب أحد اللاهوتيين الذي يدعم هذه النظرية بأنه علينا قبول أمر الله بالإبادة الجماعية كما ورد في بعض أحداث العهد القديم، دون البحث لإيجاد جواب منطقي ومقنع لهذا السؤال. ويرى أن كل ما يقوم به الله هو صالح بما في ذلك سماحه وتكليفه بالإبادة الجماعية."[5] لا يتعرض هذا اللاهوتي مباشرة إلى مسالة الأجنه والأطفال ولكن لاهوتيًا آخر يعلِّق على مسالة الأطفال بشكل مباشر فيكتب قائلاً: "لا يفهم الكتاب المقدس هلاك الرجال والنساء والأطفال ودمار المدن على أن ذلك موت أبرياء حتى الأطفال لا يعتبرهم أبرياء فهم جزء من حضارة شريرة أصلًا، فإن عاشوا سيؤثرون بشكل سلبي أخلاقيًا ولاهوتيًا ويلوثوا شعب إسرائيل." إنني لا استطيع قبول هذا الأمر لأربعة  أسباب على  الأقل.

أولاً، لو كان قصد الله التخلص النهائي من أعداء إسرائيل بواسطة استراتيجية الإبادة الجماعية لكنا توقعنا أن يتم تشريع مثل هذه الواسطة في العهد القديم، وإن لم تشرع كنا نتوقع تكرارها كنمط حربي لاحتلال الأرض والتخلص من سكانها. ولكن عدم وجود شرعنة منظمة لها في العهد القديم، وعدم استمرار ممارستها كنمط حربي يشيران في الاتجاه أن الإبادة الجماعية لم تشكل الاستراتيجية التي أرادها الله من إسرائيل.


*مقال مقتبس من كتاب: لماذا لا نقرأ الكتاب الذي قرأه المسيح؟ للدكتور القس رياض قسيس.

[1]لأجل التوسع في موضوع التحريم راجع علي سبيل المثال:

  1. Gangloff, "Joshua 6: Holy war or Extermination by Divine command (Herem)? Theological Review XXV/I (2004), PP. 3-23.

[2]لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أحد المبادئ التفسيرية الأساسية لفهم الكتاب المقدس والذي على أساسه لا نستطيع مجرد عقد مقارنة بسيطة وساذجة بين ما حدث أيام يشوع وبين ما يحدث في أيامنا فليس كل ما ذكر في الكتاب المقدس علينا العمل به الوقت الحاضر علينا التمييز بين نوعين من الأمور:

  • هناك ماندعوه بالأمور الوصفية descriptive
  • وهنا ما ندعوه بالأمور الواجبة normative

الأول يتضمن وصف حوادث أو قصص لنقرأها وناخذ منها النواحي الإيجابية ونتمثل بها. والثاني يتضمن أمور يوصينا الله أن نقوم بها بشكل مباشر، وهي ملزمة في كل مكان. والحرب بما فيها الإبادة الجماعية تقع ضمن الأمور الوصفية، وليست الواجبة.

[3]B. Reitsma, "who is our God? The theological challenges of the State of Israel for Christian Arabs." A paper presented at Near East School of Theology/Arab Baptist Theological Seminary Forum, spring 2004.

لقد اشتركت الهيئة الاكاديمية لكليه اللاهوت المعمدانية العربية، منصورية المتن، لبنان وكليه اللاهوت للشرق الادنى، بيروت في حلقة خاصهة عقدت في مبنى الكلية الأخيرة لمناقشة هذه الدراسة، وقد رد عليها الدكتور طوني معلوف أستاذ زائر في كلية اللاهوت المعمدانية العربية والدكتور فيليب غيوم، أستاذ العهد القديم في كلية اللاهوت للشرق الأدنى.

[4]من هذه الأبحاث:

  1. N. Gundry, ed., Show them no Mercy: 4 views On God and Canaanite Genocide (Grand rapids: Zondervan 2003); G. von Rad, Holly war in Ancient Israel,.ed.and trans. by Marva Dawn (Grand rapids: Eerdmans,1991); P.D.stem ,the Biblical Herem: A Window on Israel's Religious Experience (BJS 211:Atlanta :scholars ,1991): M.C. Lind ,Yahweh is a Warrior (Scottdale: Herald,1980), S.Niditch, War in the Hebrew Bible : A Study in the Ethics of Violence (New York/Oxford: Oxford University press, 1993).

[5]E.H Merrill, "The Case for Moderate Discontinuity." In S. N. Gundry, ed, Show Them No Mercy: 4 Views on God and Canaanite Genocide (Grand Rapids: Zondervan, 2003), p. 94.

© Copyright 2020 - TCEgypt - Powered by 
Living Stones Group
 - All Rights Reserved
envelopephone-handsetmap-marker
0
عربة التسوق
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram