الحل الثالث:

من أجل وضع معادلة الإبادة الجماعية في إطار اللاهوت الكتابي الذي يحاول التوفيق بين العهد القديم والعهد الجديد، تأتي نظريه الاعتراف بالإبادة الجماعية أنها تعبير عن إرادة الله، ولكن في الوقت ذاتي تعتبر هذه النظرية أنه علينا أن ننظر إلى العهد الجديد لمعرفة أبعاد الحرب الروحية، التي تشمل شكلاً من أاشكال الإبادة الجماعية، وعندما يتم ذلك نلاحظ تدرجًا من حرب دموية مادية إلى حرب روحية. يبين الدكتور Tremper Longman III المراحل الخمس المتعلقة بمفهوم الحرب الإلهية في الكتاب المقدس. اقتبسُ هذه المراحل مع بعض التعديلات الطفيفة عليها.

قبل تجسد المسيح

المرحلة 1: الله يحارب أعداء اسرائيل (خروج 15: 2-3)

المرحلة 2: الله يحارب اسرائيل (إرميا 21: 3-7)، مراثي ارميا 4: 5

المرحلة 3: رجاء يتوق إلى المحارب الإلهي (فترة ما بعد السبي) (زكريا 14: 1-3)

بعد خدمة المسيح

المرحلة 4: المسيح يحارب قوى الشر والشيطان بواسطة موته وقيامة وصعوده (كولوسي 2: 14- 15)

عند مجئ المسيح ثانية

المرحلة 5: المسيح يحارب المعركة النهائية وينتصر فيها (مرقس 13: 26، رؤيا يوحنا اللاهوتي 19: 11-12، 20: 11-15)

لا شك أن هذه النظرية تحاول التوفيق بين تصرف الله في العهد القديم والعهد الجديد، وبذلك تؤكد على العلاقة الوثيقة بين العهدين. فترى أن الحرب ضد الكنعانيين ما هي إلا مرحلة مبكرة للحرب التي خاضها المسيح على الصليب والتي ستكمل في الدينونة الأخيرة. وهكذا ينتقل هدف غضب الله من الكنعانيين، إلى قوات الشر والسلاطين الروحية، إلى التدمير النهائي لكل أنواع البشر. ونلاحظ بالطبع "روحنة مفهوم الحرب في هذه النظرية." ففي العصر الحاضر يصبح المسيحي محاربًا وجنديًا "أفسس 6" ولكنه لا ليخوض الحروب المادية، أو ليرتكب العنف، بل ليحارب ذاته. بما فيها من شر وخبث ورياء وطمع وحقد وكبرياء.

تنسحب على هذه النظرية اعتراضاتي التي أثرتها فيما يتعلق بالحل الثاني أعلاه، ولكن أود أن أضيف ثلاثة أمور اخرى. أولا، إن مشكلة هذه النظرية هي محولة جمع كل أنواع الحروب التي قادتها إسرائيل قديمًا دون التمييز بين الحروب العادية وبين الإبادة الجماعية. لست هنا في معرض مناقشة مسألة "الحرب العادلة" بل ما أريد قوله إنه ينبغي أن نميز بين ما يسمى بـ "الحرب العادلة" وبين الإبادة الجماعية.

ثانيًا، إن ربط موضوع الإبادة الجماعية في العهد القديم بموضوع الحرب الروحية التي يخبرنا عنها العهد الجديد لا يقدم تفسيرًا مقنعًا وكافيًا عن سبب سماح الله في العهد القديم بحدوث الإبادة الجماعية، خاصة للأطفال.

ثالثًا، هذه النظرية تدفعنا إلى طرح التساؤل: إذا كان الله راضٍ عن الإبادة الجماعية الدموية في العهد القديم، فلماذا يتحول في العهد الجديد إلى الحرب الروحية ضد الشر، ولا يستمر في شرعنة وترخيص الإبادة الجماعية الدموية؟ من المؤسف له بعض أتباع هذه النظرية يجيبون على هذا السؤال بالقول بأن الله سوف يرمي حتى الأطفال الذين لا يتبعون المسيح في بحيرة النار في الدينونة الأخيرة!

الحل الرابع:

يقدم القس الدكتور نعيم عتيق منهجًا معينًا في تفسير أو تأويل العهد القديم، حيث يرى أن يسوع المسيح هو المحور الأساس الذي يقرر كيفية فهم العهد القديم وتفسيره: "ولكي يفهم الله، إذًا يبدأ المسيحي الفلسطيني، مثل أي مسيحي آخر، بالمسيح ويعود إلى الوراء إلى العهد القديم، ثم إلى الأمام إلى العهد الجديد، وإلى ما بعهدهما. وتصبح هذه هي القاعدة الرئيسية للمسيحي." ويطبق القس الدكتور عتيق هذا المنهج في محاولة لإيجاد لمشكلة التحريم في كتاب يشوع فيسأل: "هل يتوافق هذا النص الذي يُنسَب إلى الله، مع طبيعة الله كما ظهرت في يسوع المسيح؟ إذا كان الأمر عكس ذلك، فيجب أن نقول إنها تكشف فقط عن طبيعة فهم البشر لله ومقصده، وقد تم تغيير هذا الفهم وتصويبه بالظهور في المسيح وبكلمات أخرى، فإن مثل هذه النصوص تكشف عن مرحلة لتطور الفهم البشري لله، والتي يجب أن ننظر إليها على أنها غير مناسبة وغير تامة."

ويؤكد القس الدكتور عيسى دياب ضرورة "أن تكون صورة الله في يسوع المسيح مقياسًا مرجعيًا لكل الصور الأخرى التي يقدمها لنا النص المقدس." أما عن معضلة الإبادة الجماعية فيعلق قائلًا: "ومن المعروف، في الديانات السامية القديمة (بلاد الرافدين وكنعان) إن الآلهة كانت شرسة، وغضوبة، وغيورة، وتبطش بأعدائها، أو بعابديها، الذين لا يحترمون تعاليماتها وأصول التعامل معها. في هذا المناخ كُتب القسم الكبير من النصوص المقدسة في العهد القديم وغيره، ومن هذا الموروث الاجتماعي الديني استقى الكاتب صورة عن الألوهة. فالأرض التي احتلت للآله، يجب أن يكون جميع سكانها من عباده، وإلا يأمر بتحريمهم (قتلهم...) وهكذا كان يُمارس القتل والإبادة بأبشع صورها باسم الإله، وبادعاء القاتل بإنه يأخذ الأمر بالقتل منه."

لقد أكدت أعلاه على أهمية مركزية يسوع المسيح في فهم العهد القديم، ولكنني لا أوافق مع منهجي القس الدكتور عتيق والقس الدكتور دياب. إن القول بأن يسوع هو المرجع النهائي لفهم كل العهد القديم أمر غير مقبول، على الرغم من إنني أعتقد بإن اعلان الله الكامل والنهائي نجده في شخص يسسوع المسيح، لأن ذلك يختصر كتب العهد القديم الغنية والمتنوعة والمفيدة، ويجردها من وحي الله النافع في سياقها التاريخي والديني والحضاري. والحق يُقال إن أتباع هكذا منهجية في فهم العهد القديم يدفعنا إلى شكل آخر من أشكال المارسيونية التي رفضت العهد القديم والتي أدانتها الكنيسة المسيحية عبر العصور.

الحل الخامس:

يُبنى هذا الحل على أساس "فرضيَّة الوثائق" (documentary hypothesis)، وهي فرضيَّة كنت قد أشرت إليها في معرض حديثي عن موضوع الكذب أعلاه. يؤكد هذا الحل أنه في العهد القديم ذاته، ثمة مناظرة دائمة بالنسبة لمشكلتي الحرب والإبادة الجماعيَّة في العهد القديم، فالكتابات الكهنوتية (أي الوثيقة الكهنوتية) ترفض التقليد الحربي والدموي في العهد القديم، بينما الكتابات التثنويّة تقدم الشعوب الكنعانية كشعوب شريرة جدًا لتبرير فكرة الإبادة الجماعية.

ردًا على هذه النظرية أقول إن هذه النظرية تقدّم لنا أمرًا إيجابيًا ومفيدًا للمفارقات في العهد القديم المتعلقة بموضوع الحرب والإبادة الجماعية، ولكن من ناحية أخرى فإن "فرضية الوثائق" قد تعرضت في العقد الأخير للكثير من الانتقادات بحيث يصعب بنيان حل على أساسها فقط.

الحل السادس:

اعتقد أن هذا هو الحل الأكثر ترجيحيًا للمعضلة "الأخلاقية" الناتجة عن أحداث الإبادة الجماعيّة. سأقدم العناصر الثلاثة الرئيسية لهذا الحل، ثم أقوم بالتعليق عليها.

يشير القس الدكتور Christopher Wright إلى شيوع عنصر التهويل والمبالغة في لغة الحروب في الشرق الأدنى القديم، ويلاحظ أن هذا العنصر متوافر بشكل واضح في العهد القديم، ففي كتاب يشوع نقرأ عن أن تم احتلال كل الأرض، وتمت هزيمة كل الملوك، وتم القضاء على كل الأعداء (10: 40- 42، 11: 16-20). ويضيف القس الدكتور Writght أنه لا يجوز أن يدفعنا ذلك للشك في مصداقيّة العهد القديم، بل إلى إدراكنا بأن أسلوب الكتابة المتبع في العهد القديم هو جزء لا يتجزأ من الأسلوب الأدبي المتبع في الشرق الأدنى القديم.

لم تتم كتابة كتب العهد القديم في وقت واحد، بل خضعت عملية كتابتها لتطور مديد في الجمع والتوثيق والكتابة والتحرير والتنقيح خاصة في فترة السبي وبعده وصولاً إلى عهد القائدين عزرا ونحميا (حوالي 400ق.م). إن العهد القديم لا يتمضن تاريخًا بالمعنى الدقيق لمفهوم التاريخ كما نعرفه في عصرنا الحاضر، بل نستطيع أن نطلق عليه اسم "التاريخ اللاهوتي" (theological history)، وما أعنيه هو أن الأحداث التاريخية في العهد القديم تم تصويرها وتدوينها من وجهة نظر لاهوتية معينة.

ينكر الكثير من اللاهوتيين الليبراليين أن الله كان وارء وجهة النظر اللاهوتية هذه، وأن ما لدينا في العهد القديم هو مجرد انطباعات البشر وآرائهم. كلاهوتي إنجيلي أؤمن بوجود مفهوم (التاريخ اللاهوتي) في العهد القديم، وفي الوقت ذاته أؤمن بتدخل الله في تقرير وتوجيه هذا (التاريخ اللاهوتي) لخدمة مقاصده السامية ومشيئته الصالحة لبني البشر. كيف يساعدنا مفهوم (التاريخ اللاهوتي) في اقتراح الحل لمعضلة الإبادة الجماعيّة؟

خلال فترة السبي وخاصة بعد انهائها، برز في إسرائيل شعور وطني قوي، وقد كان لهذا الشعور القوي تأثيره على الحياة الدينية والاجتماعية للشعب وخاصة من ناحية التعامل مع الأجانب وبالأخص الزواج من أجنبيات. يعبّر القائد نحميا، الذي قاد إصلاحًا وطنيًا ودينيًا، عن ذلك قائلاً:

(في تلك الأيام أيضًا رأيتُ اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيّات وموآبيات. ونصف كلام بنيهم باللسان الأشدودي، ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي، بل بلسان شعب وشعب. فخاصمتهم ولعنتهم وضربت منهم أناسا ونتفت شعورهم، واستحلفتهم بالله قائلاً: "لا تعطوا بناتكم لبنيهم، ولا تأخذوا من بناتهم لبنيكم، ولا لأنفسكم. أليس من أجل هؤلاء أخطأ سليمان ملك إسرائيل ولم يكن في الأمم الكثيرة ملك مثله؟ وكان ومحبوبًا إلى إلهه، فجعله الله ملكًا على كل إسرائيل. هو أيضًا جعلته النساء الأجنبيات يخطئ. فهل نسكت لكم أن تعملوا كل هذا الشر العظيم بالخيانة ضد إلهنا بمساكنة نساء أجنبيات؟ وكان واحد من بني يهوياداع بن الياشيب الكاهن العظيم صهرًا لسنبلط الحوروني، فطردته من عندي. اذكرهم يا إلهي، لأنهم نجّسوا الكهنوت وعهد الكهنوت واللاويين. فطهرتهم من كل غريب، وأقمت حراسات الكهنة واللاويين، كل واحد على عمله" (نحميا 13: 23- 30).

إن ما أراده محرر نصوص الحرب المتضمنة أحداث الإبادة الجماعيّة هو أن يظهروا للشعب في فترة السبي أو بعدها أو في فترات لاحقة من تاريخ إسرائيل، بأن عدم قيام يشوع وغيره بواجباتهم التي أوصاهم الله بها بشدة، والمتمثلة هنا بالقضاء النهائي على كل الشعوب الغريبة المحيطة بإسرائيل، هو أحد الأسباب الرئيسية لما عانى الشعب في السبي وما يعانيه الآن من صعوبات. إن هذه النصوص هي جزء من الدعاية (proraganda) ضد الأجانب، هذه الظاهرة التي انتشرت في فترة السبي وبعدها. ليس من الضروري أن يكون القضاء حربي ودموي ومادي، بل بإمكانه أن يتخد شكلاً غير مادي يتمثل بالابتعاد عن ممارسات هذه الشعوب التي تتنافى مع شريعة الله.

ومن الجدير بالملاحظة تركيز نصوص الحرب المتضمنة أحداث الإبادة الجماعية على القضاء ليس على كل البشر فحسب، بل بصورة خاصة على النساء (راجع يشوع 6: 21، 8: 25). إضافة إلى ذلك نلاحظ التشديد على موضوع الزواج من أجنبيات وحطورة هذا الأمر على الوضع الروحي لإسرائيل:

»مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ، وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ، وَلاَ تُصَاهِرْهُمْ. بْنَتَكَ لاَ تُعْطِ لابْنِهِ، وَبِنتْهُ لاَ تَأْخُذْ لابْنِكَ. لأَنَّهُ يَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى، فَيَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ وَيُهْلِكُكُمْ سَرِيعًا. وَلكِنْ هكَذَا تَفْعَلُونَ بِهِمْ: تَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ، وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ، وَتُقَطِّعُونَ سَوَارِيَهُمْ، وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلَهُمْ بِالنَّارِ.
لأَنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لَهُ شَعْبًا أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، لَيْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، الْتَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ، لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. بَلْ مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ، وَحِفْظِهِ الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكُمْ، أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ.» (تثنية 7: 1- 8).

وصفوة القول، إنني من خلال تحليلي أعلاه لا أرى معضلة أخلاقية في موضوع التحريم المرتبط بسياسة الحروب الذي يتحدث عنه العهد القديم. إذ علينا التمييز بين الإبادة الجماعية التي قد ترتبط بموضوع التحريم أحيانًا.

إذن تتعلق المسألة التي أمامنا بأسلوب أدبي هو جزء لا يتجزأ من حضارة الشرق الأدني القديم، يسيطر هذا الأسلوب تاريخًا لاهوتيًا لتحقيق غاية معينة بقصد دعم إيديولوجية محددة. تحترم هذه الإيديولوجية الزواج من أجنبيات، للحفاظ على قداسة شعب إسرائيل من الانخراط في العبادات الوثنيّة، والممارسات الخاطئة المترافقة وتلك العبادات. ولتأكيد هذه الإيديولوجية وترسيخ أهميتها في عقول الشعب، يتم، في أيام السبي وبعده، إسقاط (projection) مفهموم الإبادة الجماعية على ماضٍ سحيق وكأن الأمر قد حدث فعلاً.

وكأن كاتب أو محرر نصوص الإبادة الجماعيّة يخاطب الشعب قائلاً: "سنعود أو ها نحن قد عدنا من السبي، وسندخل مجددًا أرض كنعان، لقد سبق ودخل آباؤنا هذه الأرض، ولكن ارتباطهم بأجنبيات كان السبب في زيغانهم وسبيهم إلى أرض غريبة، ولو اقتلعوا الأجنبيات بشكل جذري لما حدثت المأساة؟ فلنحذر مما وقعوا فيه لئلا نقع فيه نحن، فيصيبنا ما أصابهم من ويلات وكوارث!"


*مقال مقتبس من كتاب: لماذا لا نقرأ الكتاب الذي قرأه المسيح؟ للدكتور القس رياض قسيس.

في الفصول ١-١١ من كتاب يشوع نقرأ عن الإبادة الجماعية التي أمر الله بها القائد يشوع ليقوم بها لعدد من المدن والقرى والجماعات:

«مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِتَمْتَلِكَهَا، وَطَرَدَ شُعُوبًا كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الْحِثِّيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ، وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ، وَضَرَبْتَهُمْ، فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لاَ تَقْطَعْ لَهُمْ عَهْدًا، وَلاَ تُشْفِقْ عَلَيْهِمْ.» تثنية ٧ :١-٢

*وحرموا (يشوع وجيشه) كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقروالغنم والحمير بحد السيف. يشوع ٢١:٦

من دلالات الكلمة (حرم) هي إنه لا يجوز استعمال الشئ أو الشخص موضوع  التحريم (لاويين ٢٧: ٢٨- ٢٩) وإنه مقضيّ عليه بالهلاك (تثنيه ١٣ :١٦) وقد استعمل التحريم في درجات متفاوته، انظر مثلا:

تثنيه ٢ : ٣٤ ، ٣: ٤، ١٣: ١٦، ٢٠ : ١٠ - ١٨

صموئيل الأول  ١٥: ٣

يشوع ٢ : ١٠

عدد ٢١ :٢١

المعضلة:

إن الآيات الواردة أعلاه هي جزء من بعض المقاطع الواردة في كتب التثنيه ويشوع واللاويين من العهد القديم، والتي تتحدث عن الحرب والقتل والإبادة. إن قراءة هذه الآيات وما شابهها، من قبل أي إنسان عادي، لابد وأن تثير في نفسه الاشمئزاز من هذه المشاهد  الدموية الرهيبة! إنها حقآ روايات مرعبة يحاول المرء أن يتخيلها، فلا يصدق حتي مخيلته، يقراها وكأنه لا يحسن الرؤية، ويسمعها وكأن الأذن تخدعه.

ولولات.... صيحات... بكاء..... صمت. صمت لا يختلف كثيرًا عن صمت المقابر، ولولات تماثل ولولات الجنائز والمآتم، بكاء تنهمر فيه الدموع من العيون، وقطرات الدم من القلوب. وهل ماهو مرعب من أن يحصد الذين يمتلكون القوة أرواح الآخرين بما فيهم من الأطفال وعجز ونسوة؟  وهل هناك اسوأ من غرز خنجر الحقد في قلوب الأبرياء فتكون النتيجة الألم والدماء والموت...!

مثل هذه الصور المؤلمة سمعنا عنها ورأيناها قي كفر قاسم ودير ياسين وأرمينيا وكمبوديا وصبرا وشاتيلا والعراق وفلسطين والولايات المتحدة والسودان ورواندا و.... و..... و....

مثل هذه الصور تقض مضاجعنا فنطالب احترام حياة الناس وضمان أمنهم وسلامتهم. مثل هذه الصور توجب على كل انسان أن يدينها بشدة. ولكن كيف يمكن أن يدين الانسان بشدة إذا كان الله الذي يعبده هذا الانسان هو الذي يأمر بتنفيذها؟ وهل يعقل أن الله المحب يصدر مثل هذه الاوامر للفتك والقتل والإبادة الجماعية؟ القول بأن الإنسان المتجرد من إنسانيته قد يرتكب مثل هذه الأعمال الوحشية أمر، والقول إن قيام الإنسان بمثل هذه الأعمال الوحشية ليحقق مشيئة الله وينفذ أوامره أمر آخر. فما هو الحل لهذه المعضلة الأخلاقية؟ وبالرغم من أن تركيزي سيكون على معالجة هذه المعادلة من الناحية الأخلاقية، إلا إنه لابد من الإشارة إلى أن هذه المعادلة تتعدي كونها أخلاقية لتكون سياسية أيضًا. إذ قد يتم استغلال ما قام به يشوع قديمًا لتبرير ما يحدث في عالمنا الحاضر، وفقا "للمنطق": لقد احتل يشوع أرض كنعان بحد السيف، وحرم المدن مرتكبًا المجازر تلو المجازر ليحقق وعد الله بامتلاك أرض كنعان. وكان كل ذلك بأمر من الله. ولذلك فإن ما فعلته إسرائيل في أرض كنعان، وما تفعله إسرائيل في أرض فلسطين ليس إلا الاستمرار لتقليد سابق وضعه الله لتأمين الحماية والأمان والأرض لإسرائيل قديمًا ولإسرائيل حديثًا،[2] ومن المؤسف له حقا أنه حتى بعض المسيحيين الغربيين قد يلجأون  إلى مثل هذا "المنطق"! والحقيقة إن الاستخدام السياسي لهذه المعضلة هو ما دفع على الدكتورBernhardt Reitsma، أستاذ  محاضر في كلية اللاهوت للشرق الأدنى، بيروت، لتناول هذا الموضوع بالبحث.[3]

الحلول المطروحة:

شكلت هذه المعضلة عائقًا ليس في فهم العهد القديم فحسب، بل في فهم هوية إله العهد القديم، وهي بالتالي تترك تأثيرًا هامًا في علاقة العهد القديم بالعهد الجديد. لقد كُتِبت العديد من الأبحاث في مواجهة هذه المعضلة،[4] اذكر باختصار أهم الحلول التي طُرحت ومازالت تُطرَح في أيامنا جوابًا على هذه المعضلة، ومن ثم أقوم بتقويمها وتقديم بدائل أخرى. ولكن لابد من الاعتراف مسبقًا أن هذه المعضلة معقدة وليس بالإمكان الوصول إلى إجابة كافية ووافية بشأن حلها. ولكن لابد من المحاولة، فهيَّا بنا!

الحل الأول

يبدو أن أسهل طريقة لمواجهة هذه المعادلة هو الاعتقاد بأن هناك عدم استمرارية بارزة ونهائية بين العهد القديم والعهد الجديد وبموجب هذه النظرية فإن إله العهد القديم هو إله القتل والدمار أما اله العهد الجديد فهو إله الرحمة والمحبة. وبالتالي على المسيحي النظر إلى يسوع المسيح إله العهد الجديد، وليس إلى إله العهد القديم، ليستمد منه فقط قيمه  الأخلاقية.

اعتقد أن هذه النظرية هي محاولة للهروب من المعضلة أكثر منها محاولة لمواجهتها. إن إنكار وجود أي استمرارية بين العهد القديم والعهد الجديد بما يتعلق بالله وطبيعته وصفاته لهو أمر لا يقر به العهد الجديد، لا تقدم هذه النظرية أي تفسير لماذا سمح "إله العهد القديم" بالإبادة الجماعية ما عدا التفسير بأن إله العهد القديم هو إله سادي يهوى قتل الأبرياء وإراقة الدماء، ولكن حتى في العهد القديم ذاته لا نجد هذه الصورة عن الله، فهو أيضًا الإله المحب والرحيم والعطوف، لسبب بتعاملاته مع إسرائيل فحسب، بل من ناحية موقفه من البشريه جمعاء، وهذه النظريه عاجزة عن أن توفق بين ما تدعيه عن إله العهد القديم السادي والقاتل وبين ما يوصف به إله العهد القديم من محبة ورحمة ورأفة وحنان.

الحل الثاني

يركز هذا الحل على النظرية بأن الشعوب التي كانت مقيمة في أرض كنعان تمتاز بالشر والفساد الأدبي والأخلاقي إلى أقصى درجات الانحطاط، مما أوجب غضب الله ودينونته عليها، ولذلك استخدم الله شعب إسرائيل لينزل عقابه ودينونته بتلك الشعوب. فقد مارست تلك الشعوب عبادة الأوثان وانحط مستواها الأخلاقي فوصل إلى الحضيض (تكوين  ١٥: ١٦، تثنية  ٩: ٤ -٥) فأراد الله أن يحقق عدله وينزل قضاءه. وعندما يعاقب الله فهو يختار وسيلة العقاب. لقد اختار سابقًا الماء (الطوفان) ثم الكبريت والنار (سدوم وعمورة) وهنا يختار أن يحقق مقصده بواسطة البشر. من ناحية أخرى، كان التحريم وسيلة للدفاع عن النفس في بعض الأحيان (يشوع 9: ١-٢، ١١: ١- ٥) وليس للهجوم دائمًا. ومَن يعترض على حق الدفاع عن النفس؟

وتؤكد هذه النظرية على عدالة الله. فالله هو قاضٍ عادل لا يتغاضى عن فعل الشر والخطية، وارتكاب الإثم والمعصية. ونتيجة لازدياد شرور الناس أمر الله بالطوفان، طوفان  نوح. ونتيجة لتفاقم الفساد في مدينتي سدوم وعمورة ـمر الله بدمار المدينتين.

هل نتهم الله بالظلم؟ وبالقيام بعمل غير لائق لأنه أمر بالطوفان أيام نوح وأنزل الدمار على مدينتي سدوم وعمورة؟ فالحق لابد أن يظهر، والعدل لابد أن ياخذ مجراه ولا يمكن للمجتمع أن يستمر بدون وجود مبدأ تحمُّل المسؤولية ومجازاة  المذنب. إذن يتطلب عدل الله إنزال القصاص العادل عندما تُعصى شرائعه ووصاياه، وبالتالي كان التحريم بمثابة تحقيق لقضاء الله ودينونته.

تعتبر هذه النظرية الأكثر انتشارًا في الأوساط الكنسية من النظرية السابقة، وهي تبدو معقولة إلى حد كبير. اعتقد أن هذه النظرية تحتوي على بعض الحقيقة، ألا وهي أن الله العادل والقدوس لابد أن يعاقِب الشر والخطيئة والفساد، وقد يستخدم الله طرقًا عديدة لتحقيق ذلك كاستخدام اسرائيل في حالة الاباده الجماعية. ولكنني اتساءل: إذا كان الله يا شيء أن ينزل العقاب بالخاطئ الأثيم، فهل من المعقول أن يأمر الله بقتل الأجنة وهي في بطون أمهاتها؟ أو بقتل الأطفال والأولاد الصغار؟

يجيب أحد اللاهوتيين الذي يدعم هذه النظرية بأنه علينا قبول أمر الله بالإبادة الجماعية كما ورد في بعض أحداث العهد القديم، دون البحث لإيجاد جواب منطقي ومقنع لهذا السؤال. ويرى أن كل ما يقوم به الله هو صالح بما في ذلك سماحه وتكليفه بالإبادة الجماعية."[5] لا يتعرض هذا اللاهوتي مباشرة إلى مسالة الأجنه والأطفال ولكن لاهوتيًا آخر يعلِّق على مسالة الأطفال بشكل مباشر فيكتب قائلاً: "لا يفهم الكتاب المقدس هلاك الرجال والنساء والأطفال ودمار المدن على أن ذلك موت أبرياء حتى الأطفال لا يعتبرهم أبرياء فهم جزء من حضارة شريرة أصلًا، فإن عاشوا سيؤثرون بشكل سلبي أخلاقيًا ولاهوتيًا ويلوثوا شعب إسرائيل." إنني لا استطيع قبول هذا الأمر لأربعة  أسباب على  الأقل.

أولاً، لو كان قصد الله التخلص النهائي من أعداء إسرائيل بواسطة استراتيجية الإبادة الجماعية لكنا توقعنا أن يتم تشريع مثل هذه الواسطة في العهد القديم، وإن لم تشرع كنا نتوقع تكرارها كنمط حربي لاحتلال الأرض والتخلص من سكانها. ولكن عدم وجود شرعنة منظمة لها في العهد القديم، وعدم استمرار ممارستها كنمط حربي يشيران في الاتجاه أن الإبادة الجماعية لم تشكل الاستراتيجية التي أرادها الله من إسرائيل.


*مقال مقتبس من كتاب: لماذا لا نقرأ الكتاب الذي قرأه المسيح؟ للدكتور القس رياض قسيس.

[1]لأجل التوسع في موضوع التحريم راجع علي سبيل المثال:

  1. Gangloff, "Joshua 6: Holy war or Extermination by Divine command (Herem)? Theological Review XXV/I (2004), PP. 3-23.

[2]لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أحد المبادئ التفسيرية الأساسية لفهم الكتاب المقدس والذي على أساسه لا نستطيع مجرد عقد مقارنة بسيطة وساذجة بين ما حدث أيام يشوع وبين ما يحدث في أيامنا فليس كل ما ذكر في الكتاب المقدس علينا العمل به الوقت الحاضر علينا التمييز بين نوعين من الأمور:

الأول يتضمن وصف حوادث أو قصص لنقرأها وناخذ منها النواحي الإيجابية ونتمثل بها. والثاني يتضمن أمور يوصينا الله أن نقوم بها بشكل مباشر، وهي ملزمة في كل مكان. والحرب بما فيها الإبادة الجماعية تقع ضمن الأمور الوصفية، وليست الواجبة.

[3]B. Reitsma, "who is our God? The theological challenges of the State of Israel for Christian Arabs." A paper presented at Near East School of Theology/Arab Baptist Theological Seminary Forum, spring 2004.

لقد اشتركت الهيئة الاكاديمية لكليه اللاهوت المعمدانية العربية، منصورية المتن، لبنان وكليه اللاهوت للشرق الادنى، بيروت في حلقة خاصهة عقدت في مبنى الكلية الأخيرة لمناقشة هذه الدراسة، وقد رد عليها الدكتور طوني معلوف أستاذ زائر في كلية اللاهوت المعمدانية العربية والدكتور فيليب غيوم، أستاذ العهد القديم في كلية اللاهوت للشرق الأدنى.

[4]من هذه الأبحاث:

  1. N. Gundry, ed., Show them no Mercy: 4 views On God and Canaanite Genocide (Grand rapids: Zondervan 2003); G. von Rad, Holly war in Ancient Israel,.ed.and trans. by Marva Dawn (Grand rapids: Eerdmans,1991); P.D.stem ,the Biblical Herem: A Window on Israel's Religious Experience (BJS 211:Atlanta :scholars ,1991): M.C. Lind ,Yahweh is a Warrior (Scottdale: Herald,1980), S.Niditch, War in the Hebrew Bible : A Study in the Ethics of Violence (New York/Oxford: Oxford University press, 1993).

[5]E.H Merrill, "The Case for Moderate Discontinuity." In S. N. Gundry, ed, Show Them No Mercy: 4 Views on God and Canaanite Genocide (Grand Rapids: Zondervan, 2003), p. 94.

© Copyright 2021 - TCEgypt - Powered by 
Living Stones Group
 - All Rights Reserved
envelopephone-handsetmap-marker
0
عربة التسوق
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram